ابن أبي الحديد
8
شرح نهج البلاغة
إلى الكوفة فبعث الجيش إلى المدينة ، فمثلنا ومثله ، كما قال الأول : * أريها السها وتريني القمر ( 1 ) * فبلغ ذلك معاوية ، فغضب وقال : والله لقد هممت بمساءة هذا الأحمق الذي لا يحسن التدبير ، ولا يدرى سياسة الأمور . ثم كف عنه . * * * قلت الوليد كان لشدة بغضه عليا عليه السلام القديم التالد ، لا يرى الأناة في حربه ، ولا يستصلح الغارات على أطراف بلاده ، ولا يشفى غيظه ، ولا يبرد حزازات قلبه الا باستئصاله نفسه بالجيوش ، وتسييرها إلى دار ملكه ، وسرير خلافته ، وهي الكوفة ، وأن يكون معاوية بنفسه هو الذي يسير بالجيوش إليه ، ليكون ذلك أبلغ في هلاك علي عليه السلام ، واجتثاث أصل سلطانه ، ومعاوية كان يرى غير هذا الرأي ، ويعلم ان السير بالجيش للقاء علي عليه السلام خطر عظيم ، فاقتضت المصلحة عنده ، وما يغلب على ظنه من حسن التدبير ، ان يثبت بمركزه بالشام في جمهور جيشه ، ويسرب الغارات على اعمال علي عليه السلام وبلاده ، فتجوس خلال الديار وتضعفها ، فإذا أضعفتها أضعفت بيضة ملك علي عليه السلام ، لان ضعف الأطراف يوجب ضعف البيضة ، وإذا أضعفت البيضة كان على بلوغ ارادته ، والمسير حينئذ - ان استصوب المسير - أقدر . ولا يلام الوليد على ما في نفسه ، فان عليا عليه السلام قتل أباه عقبة بن لابن أبي معيط صبرا ( 2 ) يوم بدر وسمى الفاسق ( 3 ) بعد ذلك في القرآن ، لنزاع وقع بينه وبينه ،
--> ( 1 ) السها : كويكب صغير خفي الضوء في بنات نعش الكبرى ، والناس يمتحنون به أبصارهم . والمثل في اللسان 19 : 123 . ( 2 ) القتل صبرا : أن يحبس الانسان ويرمى حتى يموت . ( 3 ) يشير إلى ما ذكروه من سبب نزول قوله تعالى في سورة الحجرات ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ، وانظر الإصابة 6 : 631 وأسباب النزول ، للواحدي 291 .